خرجت صباح يوم الأحد لأزور صديقاتي القديمات في القرية التي كنت قبل 3 سنوات معلمة فيها، كانت سيارة الأجرة وسيلة النقل الوحيدة المتوفرة لنقلي إلى حيث أجد نفسي في أحضان ذاكرتي القديمة وأحلام أمي وحكايات جدتي .
عندما كنت على الرصيف لم أكن أتخيل أن أحدا من المنتظرين سوف يتعين عليه ترقب السيارة معي ، إلا أني تعجبت أن امرأة عجوزا تحمل كيسا شفافا من خيوط الصوف والدانتيل تراقب حركة عيني مع الشارع ، اقتربت منها وسلمت عليها ، كانت رائحة الأقمشة الهندية تنبعث من الكيس أيضا
سألتها : هل نتعارف ؟
لم تلتفت ، وكانت كما لو أنها تبحث عن مهرب بعيد عني ، فجعلت نفسي وكأنني لم أسأل ،
مرت سيارة أجرة بعد ذلك بدقائق إلا أن هناك رجلين كانا قريبين منها ، استقلاها وراحا حيث كانا يريدان .
لما انتهت العجوز إلى عدم وجود الرجلين ، اقتربت مني ، فتفاجأت ، ولكن دفئا غريبا حولها جعلني أشعر بالسكينة قليلا .
سألتني : ماذا كنتي تقولين ؟
قلت لها : لا شي ، ولكنها أصرت ،العجوز كان اسمها ( منيرة )
منيرة : هل انتبهتي إلى سيارة الأجرة قبل قليل من كان يركبها ؟
قلت لها (بتركيز) : سائق الأجرة .
صمتت قليلا وجعلت تحدق في الأشجار .
قالت : لا أعني سائق الأجرة بل الركاب ، هل كانوا رجالا أم نساء .
سعاد ( أنا ) : رجلين يرتديان بناطيل .
منيرة : هل أنتي كذلك ؟ أعني هل تميلين إلى تقليد الغرب والتطلع إلى معرفة ما لديهم أو تقليدهم .
سعاد( شعرت باندهاش أن امرأة عجوزا ملامحها الخياطة تطرح مثل ذلك السؤال .
ربما كنت أنتظرها أن تسألني ، هل تزوجتي ؟ هل لديك أطفال ؟ هل لديك أخوة ؟
أجبتها : نعم ، أحب الإطلاع على كل ما هو متعلق بالدنية والثقافة ، فهذا يخص مهنتي .
منيرة : أتجيدين الخياطة ؟
سعاد : لا أبدا
منيرة : إذا أنتي تميلين إلى التحضر و إهمال التقاليد .
سعاد : الخياطة في نظري فن مكتسب ، وهي نوع من أنواع الثقافة .
تمر سيارة أجرة وتستأذن منيرة
منيرة : أنا أود الذهاب إلى بيت أختي ، قريب من هنا ، ويبدو أن السيارة تتوجه إلى هناك.
سعاد : أساعدك .
منيرة : شكرا ، أعتقد أنك معلمة
سعاد : سابقا . والآن تركت المهنة لعدم وجود مدارس في القرية ، ولكني هنا في زيارة إلى المدرسة التي كنت أدرس فيها ، شكرا
منيرة : إلى اللقاء .
تقف فاطمة تنتظر مرور سيارة أخرى .
سعاد ( مع نفسها ) : كلما تأخرت السيارة أشعر أن قدماي تطيران إلى فضاء أبيض كما لو أنه أسراب الحمام ، وبعد قليل وهي تشاهد مجموعة من سيارات الأجرة قادمة ، وكلما تلمح عيناي سيارات أجرة كثيرة ، أشعر أن فوجا من المشاعر تتصارع مع بعضها تماما كما لو أن أقدامي تلوى وتعقد بخيوط الصوف.
تقف سيارة الأجرة وتتقدم بفاطمة إلى شوارع القرى الداخلية .
سعاد : شكرا ، هنا محلَي.
تنزل سعاد من السيارة وتسلم السائق نقوده وتنصرف السيارة.
لم تكن تحتاج إلى من يدلها إلى بقية الطريق إلى مدرسة المعارف .. المدرسة التي استعدت لرؤيتها صباحا .
إلا أنها احتاجت إلى تناول شيئا من عصير البرتقال ، فدخلت إلى الدكان واشترت لها عصيرا بمئة بيسة ومن ثم خرجت مبتدئة المشي بنشاط .
بعد عشر دقائق وجدت نفسسها امام مدرسة المعارف ..
سعاد: هي هكذا ، كما تصورتها تماما ، الشيء الذي لم يختلف فيها أن سارية العلم لا تزال رمادية اللون .
لم يكن هناك وجود لأشجارالنرجس عند الباب . لم تكن جدرانها ملونة .
وحتى لم تكن على الباب أي عبارة ترحيب ، كأنني كنت أعلم بأنها ستتغير مثلي تماما ، وتصورتها هكذا ، فبعض السنين إن لم تغرس فينا حب الحياة بعدها .
سلمتنا إلى طول الوقوف لنزرع الشوق لغد ثغوره معبأة بقطرات من ماء الثلج الذائبة .
وقفت عندج غرفة الحارس طويلا وأنا أنتظره أن يتذكر اسمي ، إلى أن ناداني وقد تركته خلفي ، فالتفت حوله ..
الحارس : إلى أين ؟!
سعاد : السلام عليكم ..
الحارس : تذكرتك، ولكنك تغيرتي قليلا!
سعاد : كمثل المدرسة تماما ، تغيرت فيها أمور كثيرة..
الحارس : شكرا .
سعاد : لا يوجد مجال إلا إلى أن أعود أدراجي، لعلي أعود يوما آخر.
الحارس : بانتظارك ، دعائي لك..
سعاد : إلى اللقاء.