معروف عن ناصر في قرية الصير أنه محترف في صناعة الفخار ، كان يمتلك دكانا صغير ، تتفرع حوله على امتداد السكة أقسام من الدكان امتدادها طول عمارة ذات طوابق أربعة ، كانت الأواني الفخارية شغله الشاغل فربما كان يقضي معظم وقته خارج المنزل في الدكان ، يعمل معه مجموعة من الرجال من أبناء القرية ، تتراوح أعمارهم بين الخمس والعشرين والخمسة والثلاثين سنة ، وكانت الأعمال موزعة بينهم حسب الوقت ، تأتي محموعة منهم صباحا والأخرى بعد العصر ، وكان ناصر يجلس في دكانه طيلة ذلك الوقت ، كان هلال عامل جديد لم يمضي على عمله في الدكان مع ناصر أسبوعين تقريبا ولعله لم يكن من القرية بل كان من خارجها ، وكان يعمل في مصنع تعليب التمور هناك ، تمكن هلال من كسب رضا ناصر خلال الأسبوعين في اجادته حرفة صناعة الفخار ، و فاق زملاءه فيها حتى أخذ عنه من مرونته أنه يدغدغ الجرة حتى يتحكم بها ، لذلك تعين على ناصر محاباته و تقريبه منه ، ففكر ناصر في أن يختاره ليكون مسؤولا عن إعادة استعمال ما يتبقى من الطين ويزيد عن الجرة ، فقرر استضافته في بيته ، حتى يكون قريبا من الدكان من ناحية ، وليختبر فطنته من ناحية أخرى ، فأبدى هلال قبوله دعوة رئيسه ناصر ، الذي فاتحه برغبته في اختباره ، ولكن تعجب من طريقته في السؤال !
ناصر : لاحظت أنك تمرست الحرفة سريعا ، فقد أعجبت بمهارتك ، ولكنك سرقتني؟
هلال : شكرا لك ، لم أفهم ، كيف سرقتك ؟! ، كل الأواني قد ابتيعت بسعرها المعتاد؟!
ناصر :ابتيعت حقا ولكنك كنت تغسل يديك بعد كل جرة تنتهي منها ؟
هلال : الطين المتبقي في يدي عندما يجف يمنعني من المواصلة..
ناصر : ولكن الطين الذي يذهب مع الماء بعد كل غسلة يكفي لصناعة جرات أخرى أكثر..
هلال: لو كان هناك مسؤول عن اعادة استعمال ما يتبقى من الطين لانتبهت لذلك..
ناصر : أين تضع الجرات لتنشف ؟
هلال : تحت الشمس ، في السكة..
ناصر : ولكن هناك غرفة مخصصة ، مزودة بالمراوح ؟!
هلال : عندما تنشف الجرار أنقلها تحت الشمس، وعندما تجف الأصباغ أنقلها للغرفة؟!
ناصر : تستعمل كل المراوح ؟
هلال : التي في سقف الجرار..
ناصر : هل تقلبها على القاعدة أم على رأسها ؟
هلال : على القاعدة..
ناصر : تضع المال في الجرة أم في جيبك!
هلال : في جيبي..
ناصر ( شعر أن صدره انشرح لهلال ) : وددت أن أسألك سؤالا أخيرا ، لما تركت مصنع التمور في قريتك وانتقلت إلى هنا !
هلال : عشت يتيما بعد أن فارقت أبي منذ عشر سنين ، فاختار لي الله أن أعمل في المصنع في تعليب التمور التي تأتي من النخلة المعمرة ومرت بي هناك خمس سنين ، وبعدها قررت الانتقال لقرية الصير ، أعمل مع الطين في حرفة الفخار ، لأنني لا بد وأن انتهي إلى الطين بعد أن يأتي علي العمر ..
ناصر : أنك ابن حلال يا هلال ..